أكيد. سأجعله أقرب إلى مقال كتبه شخص يعيش وسط هذا الضجيج فعلًا، لا نصًا وعظيًا مصقولًا أكثر من اللازم.
كيف يحافظ المسلم على قلبه وإيمانه وسط كثرة الأخبار والفتن؟
أحيانًا لا أشعر أن المشكلة في كثرة الأخبار نفسها، بل في أنني لم أعد أستطيع أن أبتعد عنها.
أفتح هاتفي لأعرف خبرًا واحدًا، فأجد نفسي بعد دقائق أتنقل بين خبر وحادثة ومقطع وتعليق وجدال. ثم أغلق الهاتف، لكن رأسي لا يغلق معه. أبقى أفكر فيما رأيت، وأشعر أن قلبي صار ممتلئًا بأشياء كثيرة لا أعرف ماذا أفعل بها.
ومع كثرة ما نرى ونسمع، أصبح الحفاظ على الإيمان يحتاج إلى وعي. ليس لأن الفتن جديدة، وإنما لأننا اليوم نعيش قريبين جدًا من كل شيء. نرى المأساة لحظة وقوعها، ونسمع عشرات الآراء حولها، ونشاهد الناس يختلفون ويتهم بعضهم بعضًا، ثم ننتقل في ثوانٍ إلى خبر آخر وكأن القلب آلة تستطيع أن تستوعب كل هذا دون أن تتأثر.
لكن القلب يتأثر.
ولهذا أعتقد أن أول خطوة لحماية الإيمان هي أن نعترف بهذه الحقيقة.
ليس مطلوبًا أن تعرف كل شيء
هناك شعور يراودني أحيانًا بأن عليّ أن أعرف ما يحدث باستمرار. إذا ابتعدت قليلًا عن الأخبار أشعر أنني قد أفوّت شيئًا مهمًا.
لكن الحقيقة أن الإنسان ليس مطالبًا بأن يكون حاضرًا في كل حدث، ولا بأن يقرأ كل خبر، ولا بأن يعرف رأي الجميع.
معرفة ما نحتاج إليه شيء، وتحويل الأخبار إلى عادة يومية تستنزف القلب شيء آخر.
ليس كل خبر يستحق أن يدخل إلى داخلي.
قبل أن أقرأ شيئًا، من المفيد أن أسأل نفسي: هل أحتاج فعلًا إلى معرفة هذا؟ وهل ستفيدني معرفته، أم أنها ستزيد خوفي وغضبي فقط؟
أحيانًا يكون إغلاق الهاتف عبادة للنفس، لأنك تمنع عنها شيئًا تعرف أنه سيؤذيها.
لا تجعل الأخبار هي المصدر الوحيد لفهم الحياة
المشكلة أن الأخبار تعرض لنا العالم في أسوأ لحظاته غالبًا.
نرى الخوف، والحروب، والظلم، والموت، والخلافات، وننسى أن هناك في الوقت نفسه أناسًا يصلون، وأمهات يربين أبناءهن، وشخصًا يتصدق في الخفاء، وآخر يحفظ القرآن، وآخر يصل رحمه، وآخر يبدأ يومه بدعاء لا يعرف عنه أحد شيئًا.
هذه الأشياء لا تتصدر الشاشة، لكنها موجودة.
إذا جعل الإنسان الأخبار نافذته الوحيدة على العالم، فمن الطبيعي أن يشعر أن الدنيا كلها خراب.
والدنيا ليست كذلك.
هي دار ابتلاء، نعم، وفيها ظلم وألم، لكنها أيضًا مليئة برحمة الله وألطافه التي لا تظهر في العناوين.
القرآن ليس شيئًا نعود إليه فقط عندما ننهار
من أكثر الأشياء التي ألاحظها على نفسي أنني عندما يزداد الضجيج من حولي، أحتاج إلى شيء يعيدني إلى مكان ثابت.
وهنا يأتي القرآن.
ليس فقط لكي أحصل على معلومة أو أقرأ صفحة وأنتهي. أحيانًا أحتاج أن أجلس معه بهدوء، حتى أشعر أن هناك كلامًا لا يتغير بتغير الأخبار.
اليوم خبر عاجل، وغدًا خبر آخر، وبعد أسبوع ينسى الناس ما كانوا يتحدثون عنه.
أما القرآن فيعيد ترتيب الأشياء داخلي.
يذكرني بأن الدنيا ليست كل القصة، وأن ما يحدث حولي، مهما كان كبيرًا، لا يخرج عن علم الله وقدره، وأن دوري ليس أن أحمل العالم كله على كتفي، وإنما أن أعبد الله وأفعل ما أستطيع.
لا تسمح للغضب أن يأكل إيمانك
من أخطر آثار الفتن أنها قد تجعل الإنسان يظن أن الغضب المستمر دليل على قوة الإيمان.
ليس كل غضب نصرة للحق.
قد يبدأ الإنسان من موقف صحيح، ثم يدخل في الجدال، ثم يشتم، ثم يسخر، ثم يتابع كل من يخالفه فقط ليرد عليه، وبعد فترة يجد أن قلبه صار مليئًا بالكراهية.
هنا يجب أن يتوقف.
الإيمان لا يعني أن يصبح الإنسان عصبيًا طوال الوقت.
ومن حقنا أن نحزن للظلم، وأن نرفض الخطأ، وأن نتكلم عندما يكون الكلام نافعًا. لكن هناك فرقًا بين أن يتألم قلبك للحق، وبين أن يتحول قلبك إلى مساحة دائمة للغضب.
وأحيانًا يكون الصمت أرحم بالإيمان من تعليق جديد لا يغير شيئًا.
انتبه لما يدخل إلى قلبك من خلال الشاشة
نحن نهتم كثيرًا بما يدخل إلى أجسادنا، ونختار طعامنا وشرابنا، لكننا أحيانًا لا نفكر بما نسمح له بالدخول إلى عقولنا وقلوبنا لساعات كل يوم.
حسابات تثير الخوف.
أشخاص يعيشون على السخرية.
مقاطع تجعل الإنسان يقارن حياته بغيره.
جدالات لا تنتهي.
أخبار صادمة.
ومحتوى يضعف الحياء أو يطبع القلب مع أشياء كان يستنكرها من قبل.
ومع الوقت، يتغير الإنسان دون أن ينتبه.
لذلك تنظيف الهاتف من بعض المحتوى ليس أمرًا بسيطًا كما يبدو. أحيانًا تحتاج أن تلغي متابعة شخص ليس لأنه سيئ، وإنما لأن وجوده المستمر في يومك يؤثر فيك بطريقة لا تريدها.
لا تجعل خوفك من الفتنة سببًا لليأس
كثرة الفتن قد تجعل الإنسان يقول: “الزمن تغير، والناس لم تعد كما كانت، وكل شيء أصبح مخيفًا.”
قد يكون في هذا شيء من الحقيقة، لكن الاستسلام لهذا الشعور ليس حلًا.
النبي ﷺ أخبرنا عن الفتن، وحذر منها، لكنه لم يعلمنا أن نعيش في حالة هلع دائم.
المطلوب أن نعرف كيف نحمي أنفسنا، لا أن نفقد الأمل.
وكلما شعرت أن العالم من حولي أصبح مضطربًا، أعود إلى السؤال الأبسط: ماذا عني أنا؟
هل ما زلت أصلي؟
هل ما زلت أستغفر؟
هل ما زلت أحاول أن أترك الذنب عندما أعرف أنه خطأ؟
هل ما زلت أحسن إلى الناس؟
هل ما زال قلبي يخاف أن يبتعد عن الله؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من أن أعرف ماذا قال كل شخص على الإنترنت.
اجعل لك حياة خارج الهاتف
ربما تبدو هذه النصيحة عادية، لكنها بالنسبة لي من أكثر الأشياء تأثيرًا.
صلِّ في وقتك.
اجلس مع أهلك.
اقرأ القرآن.
اخرج للمشي.
تعلم شيئًا.
اعمل.
نم جيدًا.
تكلم مع شخص تحبه.
اشغل يومك بأشياء حقيقية.
لأن الإنسان عندما يعيش معظم وقته داخل الشاشة، تصبح أخبار الشاشة كأنها حياته كلها. وكلما زاد دخوله إليها، زاد شعوره بأن عليه أن يتابع كل شيء.
لكن عندما تعود إلى حياتك الحقيقية، تكتشف أن العالم أوسع من صفحة الأخبار.
لا تنتظر أن يكون قلبك ثابتًا طوال الوقت
وهذه ربما أهم نقطة.
الإيمان يزيد وينقص، والقلب يتغير. قد تمر عليك أيام تشعر فيها بالقرب من الله، وأيام أخرى تشعر فيها بالفتور والتعب.
لا تجعل الفتور سببًا لترك الطريق.
إذا ضعفت، ارجع.
إذا قصرت، أصلح ما تستطيع.
إذا تأثرت بما رأيت وسمعت، خذ مسافة واستعن بالله.
ليس المطلوب أن نعيش في الدنيا بقلوب لا تتأثر، فهذا غير ممكن. المطلوب أن تتأثر قلوبنا دون أن تضيع.
أن نحزن دون أن نيأس.
أن نغضب دون أن نظلم.
أن نعرف ما يحدث دون أن نعيش أسرى له.
وأن نرى كثرة الفتن من حولنا، ثم نتذكر أن لنا ربًا لا تتغير رحمته بتغير الأخبار.
في النهاية، لا أستطيع أن أوقف ما يحدث في العالم، ولا أستطيع أن أعرف كل شيء، ولا أستطيع أن أصلح كل خطأ أراه.
لكن أستطيع أن أحافظ على قلبي.
وهذا بحد ذاته مسؤولية كبيرة.
ففي زمن يصل فيه كل شيء إلى هاتفك، ربما أصبحت من أهم أشكال التقوى أن تعرف ماذا تسمح له بأن يصل إلى قلبك.