اعتاد كثير من المسلمين في وقتنا الحاضر على قول “صدق الله العظيم” فور الانتهاء من تلاوة القرآن الكريم، حتى أصبح هذا اللفظ ملازماً للقراءة في أذهان الكثيرين. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذا الفعل مشروع أم أنه بدعة لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ هذا التقرير يستعرض الأدلة الشرعية وأقوال كبار العلماء في هذه المسألة.
أولاً: معنى “صدق الله العظيم” وحكمها بشكل عام
لا شك أن الله تعالى هو أصدق القائلين، كما قال سبحانه: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً} [النساء:122] . والاعتقاد بأن الله صادق فيما أخبر به هو من صميم الإيمان. وقول “صدق الله” جائز في أصله، بل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قالها في مناسبة معينة، فعن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين عليهما السلام عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: “صدق الله: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَة}” [التغابن:15] .
إذن، أصل الكلام جائز ومشروع عند وجود مناسبة، كأن يرى الإنسان شيئاً يذكر بآية فيقولها .
ثانياً: حكم المداومة عليها بعد قراءة القرآن
الخلاف ليس في أصل العبارة، بل في تخصيصها والمداومة عليها عقب تلاوة القرآن الكريم بنية التعبد. وهنا يرى جمهور كبير من المحققين من العلماء المعاصرين أنها بدعة إضافية لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته الكرام. وأبرز من قال بذلك:
1. سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله
قال الشيخ ابن باز رحمه الله: “اعتياد الكثير من الناس أن يقولوا: صدق الله العظيم عند الانتهاء من قراءة القرآن الكريم، وهذا لا أصل له، ولا ينبغي اعتياده، بل هو على القاعدة الشرعية من قبيل البدع إذا اعتقد قائله أنه سنة، فينبغي ترك ذلك وأن لا يعتاده لعدم الدليل” .
واستدل الشيخ بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عندما قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم سورة النساء، فلما بلغ قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء:41]، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: “حسبك” ، فالتفت إليه ابن مسعود فإذا عيناه تذرفان. ولم يقل ابن مسعود “صدق الله العظيم” بعد انتهاء القراءة، ولم يأمره النبي بذلك .
2. فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
أفتى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله بأن ختم تلاوة القرآن بقول “صدق الله العظيم” بدعة، وعلل ذلك بأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه. وقال رحمه الله: “وعلى هذا، فينبغي للقارئ إذا انتهى من قراءته أن ينهيها بآخر آية يتلوها بدون أن يضيف إليها شيئاً” .
وأضاف موضحاً القاعدة الشرعية: أن العبادة لا بد فيها من شرطين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والمتابعة لا تتحقق إلا بموافقة الشرع في سبب العبادة وجنسها وقدرها وهيئتها وزمانها ومكانها. وهنا، لم يجعل الشرع انتهاء القراءة سبباً لقول “صدق الله العظيم”، فكان فعله غير موافق للشرع .
3. الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله
قال في كتابه “بدع القراء”: “وأما التزام قول: صدق الله العظيم بعد قراءة القرآن العظيم… فليس في هذا الذكر شيء يؤثر… وبهذا فالتزام هذا الذكر: صدق الله العظيم بعد قراءة القرآن – التزام مخترع لا دليل عليه، فهو محدث، وكل محدث في التعبيرات فهو بدعة” .
ثالثاً: أدلة القائلين بالجواز ومناقشتها
يوجد رأي آخر يرى جواز قول “صدق الله العظيم” بعد القراءة، كما في فتوى دار الإفتاء الأردنية ، واستدلوا بما يلي:
- الآية الكريمة: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ} [آل عمران:95].
- حديث الحسن والحسين السابق ذكره.
- نقل القرطبي عن بعض العلماء أن من حرمة القرآن أن يصدق القارئ ربه عند الانتهاء.
المناقشة والرد:
- أما الآية الكريمة، فهي في سياق خطاب المشركين وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبين صدق الله فيما أنزل من الكتب السابقة، وليست دليلاً على شرعية قولها بعد قراءة القرآن .
- أما حديث الحسن والحسين، فهو في مناسبة خاصة (رؤية الحسنين يعثران)، وليس عند انتهاء تلاوة القرآن، فالحديث دليل على مشروعية قولها عند مناسبتها، وليس دليلاً على المداومة عليها بعد القراءة .
- أما النقل عن القرطبي، فهو رأي لبعض العلماء وليس حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، والاجتهاد لا يعارض النص، خاصة مع وجود الدليل العملي (فعل ابن مسعود مع النبي) الذي يوضح أن النبي لم يشرع ذلك .
رابعاً: متى ظهرت هذه العادة؟
ذكر الحافظ ابن الجزري في “النشر” أن بعض الشيوخ كانوا يبتدئون الدعاء عقيب الختم بقولهم: “صدق الله العظيم”، ونقل القرطبي عن الترمذي الحكيم أنه قال: “ومن حرمته إذا انتهت قراءته أن يصدق ربه” . وهذا يدل على أنها ظهرت عند بعض المتأخرين، ولم تكن معروفة في عصر الصحابة والتابعين.
خامساً: التفريق بين العادة والعبادة
القاعدة المقررة عند العلماء: “الأصل في العبادات المنع والحظر، فلا يشرع منها إلا ما دل الشرع على شرعيته، والأصل في العادات الإباحة” . قول “صدق الله العظيم” إذا أطلق من غير تقييد بزمان أو مكان فهو جائز، أما التزامه بعد قراءة القرآن بنية التعبد وبصورة دائمة، فهذا تقييد يحتاج إلى دليل، وحيث لا دليل فهو بدعة .
الخلاصة والتوصية
- قول “صدق الله العظيم” من حيث الأصل هو كلام طيب وجائز، والثناء على الله به مشروع.
- تخصيصها والمداومة عليها بعد تلاوة القرآن الكريم بدعة لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، وهي داخلة في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” [متفق عليه] .
- المواظبة عليها مع اعتقاد أنها سنة أو أنها من الدين تجعلها بدعة محضة.
- الأفضل للقارئ إذا انتهى من قراءته أن يختم بآخر آية قرأها، أو يدعو بما ورد من أدعية ختم القرآن إن كان قد أكمل القرآن كاملاً، دون إلزام نفسه بلفظ “صدق الله العظيم” في كل مرة.
تنبيه: أما إذا قالها الإنسان بعض الأحيان من غير قصد المواظبة والاعتياد، ودون اعتقاد أنها سنة، فلا بأس بذلك .
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.