علم مصطلح الحديث هو علم جليل بقواعد دقيقة وضعها علماء الأمة لتمييز صحيح الأحاديث من سقيمها، ومعرفة ما يُقبل منها وما يُرد. ومن أهم مباحث هذا العلم تقسيم الأحاديث من حيث عدد الرواة في طبقات السند، حيث يندرج تحت هذا التقسيم أنواع رئيسية هي: المشهور، والعزيز، والغريب. وسنتناول الحديث العزيز في هذا التقرير.
أولاً: تعريف الحديث العزيز لغة واصطلاحاً
- لغة: العزيز مأخوذ من العزة، وهي القوة والغلبة. وقد سُمي بهذا الاسم إما لقوته بكثرة طرقه عن الحديث الغريب، أو لقلة وجوده وندرته بالنسبة للمشهور، فكأنه عَزَّ أي قلَّ وجوده.
- اصطلاحاً: هو ما رواه اثنان عن اثنين، في جميع طبقات السند، أو ما تعددت طرقه وقلت رواته. ولكن التعريف الأدق والأشهر بين علماء الحديث هو: “ما لا يقل رواته في كل طبقة من طبقات السند عن اثنين”.
ثانياً: تحليل التعريف الاصطلاحي وتطبيقه على السؤال
السؤال وصف الحديث بأنه: “حديث رواه عدد كبير من الصحابة عن رسول الله ﷺ، ثم قل العدد في باقي طبقات السند (أي في طبقة التابعين ومن بعدهم) حتى أصبح رواية فرد أو اثنين”.
هذا الوصف يطبق على الحديث “العزيز” بشكل دقيق مع ملاحظة جوهرية:
- في طبقة الصحابة (بداية السند): السند يبدأ بعدد كبير من الصحابة. (مثلاً: حديث رواه عشرة من الصحابة عن النبي ﷺ).
- في طبقة التابعين (الطبقة التالية): لم يروه عن هؤلاء الصحابة العشرة إلا راويان اثنان فقط. (مثلاً: لم يرو الحديث عن الصحابة العشرة إلا رجلان من التابعين).
- في طبقة تابعي التابعين (الطبقة التي تليها): لم يروه عن راويي التابعين إلا راويان اثنان أو قد يقل العدد أكثر.
النتيجة: الحديث الذي بدأ بكثرة في أول السند (بكثرة الصحابة) أصبح عزيزاً في منتصفه لاقتصار رواته على اثنين فقط، وقد ينتهي باثنين أو أقل في آخره. وهذا هو عين المثال المذكور في السؤال.
ثالثاً: مقارنة مع الخيارات الأخرى لتوضيح سبب استبعادها
- الخيار 2 – الغريب:
- تعريفه: هو ما تفرد به راوٍ واحد في أي طبقة من طبقات السند. فلو روى الحديث صحابي واحد عن النبي ﷺ، ثم رواه عنه تابعي واحد فقط، فهذا هو الحديث الغريب (أو الفرد). هذا لا ينطبق على السؤال الذي يفترض بدء السند بعدد كبير من الصحابة. فالحديث الغريب يبدأ بقلة في أول السند أو في وسطه.
- سبب الاستبعاد: السؤال ينص صراحة على أن بدايته كانت “بعدد كبير من الصحابة”، وهذا يخالف تعريف الغريب الذي تبدأ روايته من صحابي واحد غالباً.
- الخيار 3 – المتواتر:
- تعريفه: هو ما رواه عدد كبير من الصحابة يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، ويستمر هذا العدد الكبير في جميع طبقات السند (أي أن رواته كثيرون في طبقة الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، وهكذا). وشرطه الأساسي أن تكون الكثرة موجودة في كل طبقة.
- سبب الاستبعاد: السؤال ينص على أن العدد “قَل” في باقي طبقات السند (أي بعد الصحابة). هذا النقصان في العدد يخرج الحديث من كونه متواتراً، لأن التواتر يشترط استمرار الكثرة العددية في كل الطبقات.
الخلاصة:
بناءً على التعريفات الدقيقة لعلماء الحديث، فإن الحديث الذي يبدأ بكثرة في طبقة الصحابة ثم يقل عدد رواته بعدهم إلى اثنين أو فرد هو حديث “عزيز” في وسطه، وقد يكون آخره عزيزاً أو غريباً، لكن وصفه العام ينطبق على تعريف العزيز لأنه اشترط وجود راويين اثنين في طبقة من طبقاته بعد الكثرة.