بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد.
فهذا تقرير مفصل عن حكم قراءة المأموم للقرآن خلف الإمام مع رفع الصوت بها، وذلك ببيان أحوال القراءة للمأموم، وحكم الجهر بها، وتفصيل ذلك في الصلوات الجهرية والسرية، مع ذكر أقوال العلماء وأدلتهم، وراجح المذاهب الفقهية في المسألة.
مقدمة
تعد مسألة قراءة المأموم خلف الإمام من المسائل الفقهية الكبرى التي كثر فيها النزاع بين أهل العلم منذ عصر الصحابة رضوان الله عليهم . ويتشعب هذا النزاع ليشمل حكم القراءة من حيث الوجوب والندب، وكذلك حكم الجهر بها والإسرار. وتزداد أهمية البحث عندما يجهر المأموم بقراءته وصوت الإمام مسموع، مما قد يؤدي إلى تشويش على المصلين أو مخالفة للهدي النبوي. سنحاول في هذا التقرير تفصيل هذه المسألة وتوضيح أحكامها.
التقسيم الرئيسي للمسألة: نوعا الصلاة
يختلف حكم قراءة المأموم بصفة عامة، وبالتالي حكم الجهر بها، باختلاف نوع الصلاة من حيث كونها جهرية (كالفجر والمغرب والعشاء) أو سرية (كالظهر والعصر). كما يختلف الحكم بين قراءة الفاتحة وغيرها من القرآن.
أولاً: في الصلاة الجهرية (وصوت الإمام مسموع)
في الصلاة التي يجهر فيها الإمام بالقراءة، يجب على المأموم أن ينصت ويستمع لقراءة إمامه، امتثالاً لقول الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] .
- حكم قراءة غير الفاتحة:
- عدم المشروعية: يتفق جمهور العلماء على أن المأموم لا يقرأ شيئاً من القرآن غير سورة الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية. ودليل ذلك قول النبي ﷺ: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟» قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «لا تَفْعَلُوا إِلا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، فَإِنَّهُ لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» . وبناءً على ذلك، فلا يجوز للمأموم الجهر بقراءة شيء من القرآن سوى الفاتحة، بل الواجب عليه الإنصات.
- حكم الجهر بغير القرآن: حتى في الأذكار المشروعة كالتكبير والتحميد، فالأفضل للمأموم ألا يجهر بها إذا كان صوت الإمام مسموعاً، لأن ذلك يعتبر من “التبليغ” الذي لا حاجة إليه مع وضوح صوت الإمام، وقد نص الفقهاء على كراهة ذلك، وإن كانت الصلاة لا تبطل به .
- حكم قراءة الفاتحة:
- الراجح: وجوب القراءة سراً: ذهب فريق من أهل العلم، وهو المذهب الجديد للشافعي، ورواية عن أحمد، واختيار العديد من المحققين كالشيخين ابن باز وابن عثيمين (رحمهما الله)، إلى وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة الجهرية . وذلك للجمع بين أدلة الأمر بقراءة الفاتحة (لحديث: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ») ، وأدلة الأمر بالإنصات. والجمع يكون بقراءة المأموم للفاتحة سراً مع الإنصات لبقية قراءة الإمام .
- كيفية الأداء: على هذا القول، يقرأ المأموم الفاتحة سراً، إما في سكتات الإمام إن كانت له سكتات، أو يقرأها مع قراءة الإمام للفاتحة أو للسورة، فلا يرفع صوته بها مطلقاً . قال الشيخ ابن باز رحمه الله: “الواجب على المأموم في الصلاة الجهرية أن يقرأ الفاتحة في سكتات الإمام… فإن لم يسكت الإمام؛ قرأها ولو كان الإمام يقرأ، لكن يقرأها سراً، ويجب عليه الإنصات لبقية القراءة” .
- القول الثاني: عدم الوجوب: يرى جمهور الفقهاء (الحنفية، والمالكية، والحنابلة في المشهور) أن قراءة المأموم للفاتحة في الصلاة الجهرية غير واجبة، وتكره قراءتها عند سماع الإمام. واحتجوا بحديث: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» ، وبحديث: «مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ» . ففي هذا القول، تسقط القراءة عن المأموم بقراءة الإمام .
- القول الثالث (التفصيل): ذهب المالكية إلى أن قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية مندوبة، وليست واجبة ولا مكروهة، إذا كانت في سكتات الإمام، وأما حال قراءة الإمام فقراءتها مكروهة .
- الراجح: وجوب القراءة سراً: ذهب فريق من أهل العلم، وهو المذهب الجديد للشافعي، ورواية عن أحمد، واختيار العديد من المحققين كالشيخين ابن باز وابن عثيمين (رحمهما الله)، إلى وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة الجهرية . وذلك للجمع بين أدلة الأمر بقراءة الفاتحة (لحديث: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ») ، وأدلة الأمر بالإنصات. والجمع يكون بقراءة المأموم للفاتحة سراً مع الإنصات لبقية قراءة الإمام .
ثانياً: في الصلاة السريّة (أو عند عدم سماع الإمام)
في الصلوات السرية كالظهر والعصر، لا يجهر الإمام، وإنما يُسِرُّ بالقراءة. وكذلك في الركعات الثالثة والرابعة من الصلوات الجهرية.
- إذا كان الإمام يُسِرُّ ولا يُسْمِع:
- يقرأ المأموم سراً: لا خلاف بين العلماء في مشروعية قراءة المأموم للقراءة (الفاتحة وما تيسر من القرآن) في الصلوات السرية، لأن المأموم لا يشغله صوت الإمام. وتكون القراءة سراً، بحيث يسمع نفسه فقط . ولا ينبغي له الجهر بها.
- حكم الجهر هنا: لو جهر المأموم في الصلاة السرية، فقد كره له ذلك جمهور العلماء، لأن الجهر إنما هو من خصائص الإمام في الصلاة الجهرية . ودليل كراهة جهر المأموم مطلقاً ما رواه مسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر، فقرأ رجل خلفه بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)، فلما انصرف قال: «أَيُّكُمْ قَرَأَ؟» فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، فَقَالَ: «قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا» .
- إذا كان الإمام يُسِرُّ ولكن صوته مسموع (الهمس):
- قد يقرأ الإمام في الصلاة السرية بصوتٍ خفيف (همس) يسمعه من يليه من المأمومين. وهذا جائز، فقد كان النبي ﷺ أحياناً يُسْمِعُهم الآية في الظهر والعصر .
- حكم المأموم هنا: حتى مع سماع صوت الإمام الهامس، فإنه لا يجب على المأموم الإنصات، وذلك لأن هذه ليست صلاة جهرية، وغاية ما يشرع للإمام هو إسماع نفسه فقط، ورفع الصوت أحياناً بمقدار آية للتنبيه. لذا، يقرأ المأموم الفاتورة وسورة بعدها سراً، ولا يجهر بذلك .
- نهي الإمام عن العادة: إذا تعود الإمام الجهر في السرية دائماً بحيث يسمع المأمومين كلهم، فإنه يكون مخالفاً للسنة، وينبغي نصحه ونهيه عن ذلك لأنه قد يشوش على المصلين ويخلط عليهم قراءتهم .
حكم الجهر بالدعاء والتأمين
- التأمين: يشرع للمأموم التأمين على دعاء الإمام، سواء في الصلاة الجهرية أو السرية، لكنه يكون سراً في السرية، وفي الجهرية يسن رفع الصوت بالتأمين مع الإمام، لكن بصوتٍ جماعي غير مرتفع جداً يسبب تشويشاً، اقتداءً بالسنة .
- الأذكار: كما سبق، يُكره للمأموم أن يرفع صوته بتكبيرات الانتقال أو بالتحميد (ربنا ولك الحمد) إذا كان الإمام يسمعهم صوته .
الخلاصة في جدول
لتقريب الصورة، يمكن تلخيص الأحكام في الجدول التالي:
| حالة الصلاة | ما يقرؤه المأموم | حكم الجهر بالقراءة |
|---|---|---|
| صلاة جهرية (الإمام يجهر) | الفاتحة فقط (على الراجح)، وما زاد عليها لا يقرأه. | يُمنع الجهر مطلقاً، ويقرأ الفاتحة سراً . |
| صلاة جهرية (الإمام يجهر) | لا يقرأ شيئاً (عند الجمهور). | لا يجهر، بل ينصت فقط . |
| صلاة سرية (الإمام يُسر) | الفاتحة وما تيسر من القرآن. | يُسن الإسرار ويكره الجهر . |
| صلاة سرية (الإمام يهمس) | الفاتحة وما تيسر من القرآن. | يُسن الإسرار ولا يجب الإنصات . |
الخلاصة والتوصية
يتضح مما سبق أن الأصل في عمل المأموم خلف إمامه هو الاتباع والإنصات، وعدم رفع صوته بالقراءة أو الذكر إلا في مواطن محددة كالتأمين في الصلاة الجهرية.
- الراجح في المسألة هو ما ذهب إليه المحققون من وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في السر والجهر، مع مراعاة الإنصات وعدم الجهر بها في الجهرية. وهذا القول أحوط وأجمع للأدلة .
- الاستثناء الوحيد للجهر من المأموم هو التأمين مع الإمام في الصلاة الجهرية .
- التوصية العملية: ينبغي للمأموم أن يحرص على الخشوع في صلاته، وعدم رفع صوته بأي شيء يشغل من بجانبه أو ينازع الإمام قراءته، سواء في الصلاة الجهرية أو السرية. وإذا كان الإمام يجهر، فليكتفِ المأموم بقراءة الفاتحة سراً ثم ينصت. وإذا كان الإمام يُسر، فليقرأ المأموم سراً أيضاً، اقتداءً بالهدي النبوي، وخروجاً من خلاف العلماء.
نسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يرزقنا الفقه في الدين، إنه سميع مجيب.