كان عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي، من أشراف قريش وأشدهم على المسلمين في بداية الدعوة الإسلامية. كان رجلاً قوياً شديد البأس، ذا هيبة ومكانة في قومه، وكان شديد العداء للدعوة الجديدة وللنبي محمد صلى الله عليه وسلم. وقد اشتهر بغضه للمسلمين وإيذائه لهم، وكان ذا شخصية قوية لا تخاف في الله لومة لائم، لكن الله أراد به خيراً فهداه إلى نور الإيمان.
الخلفية التاريخية
كانت الدعوة الإسلامية في سنواتها الأولى سرية ثم جهر بها النبي صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث سنوات. وقد لاقى المسلمون أشد أنواع العذاب والاضطهاد من قريش، وكان عمر بن الخطاب في طليعة المعادين للإسلام. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الله قائلاً: “اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب”. فاستجاب الله دعاء نبيه واختار عمر بن الخطاب.
السبب المباشر للإسلام
يروى أن سبب إسلام عمر يعود إلى عدة روايات متقاربة، وأشهرها ما يلي:
في يوم من الأيام، اشتد غضب عمر على المسلمين، فخرج من بيته متوشحاً سيفه قاصداً دار الأرقم بن أبي الأرقم حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتمع مع أصحابه سراً. وكان يريد قتل النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
في الطريق، لقيه رجل من بني زهرة يقال له نعيم بن عبد الله (وقد كان مسلماً يكتم إيمانه)، فسأله: “أين تريد يا عمر؟” قال عمر: “أريد محمداً هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وشتم آلهتها، لأقتله”. فقال له نعيم: “والله لقد غرتك نفسك يا عمر! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟” فسأله عمر: “أي أهل بيتي؟” قال نعيم: “خَتَنُك (زوج أختك) سعيد بن زيد، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا محمداً على دينه، فعليك بهما”.
المفاجأة في بيت أخته
اندفع عمر غاضباً نحو بيت أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد. وكان عندهما خباب بن الأرت يقرئهما القرآن في صحيفة فيها سورة “طه”. فلما سمعوا صوت عمر، اختبأ خباب في مخدع (مكان صغير) للبيت، وأخذت فاطمة الصحيفة وأخفتها تحت فخذها.
كان عمر قد سمع صوت تلاوة القرآن عند وصوله، فدخل عليهما وقال: “ما هذه الهيْمَةُ (الصوت) التي سمعتها عندكم؟” فقالا: “ما سمعت شيئاً”. قال: “بلى والله، لقد أخبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه”. ثم وثب على صهره سعيد بن زيد فضربه، فقامت أخته فاطمة لتكف عنه فضربها فشجها (أصاب رأسها وجرحها).
فلما فعل ذلك، قالت له أخته وهي غاضبة وقد سال الدم منها: “يا عمر، إن كان الحق في غير دينك، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله”.
لحظة التحول الكبرى
عندما رأى عمر دم أخته وشجتها، هدأ غضبه وندم على ما فعل. قال لأخته: “أعطيني هذه الصحيفة التي عندكم فأقرؤها”. وكان عمر لا يقرأ ولا يكتب (أميياً)، فقالت له أخته: “إنك رجس (أي نجس، يقصدون المشرك)، ولا يمسها إلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ”. ففعل عمر واغتسل وتطهر.
ثم دخل وأخذ الصحيفة فقرأ: “بسم الله الرحمن الرحيم” فلما مر بهذه الآية قال: “أسماء طيبة طاهرة”. ثم قرأ: “طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى” إلى آخر الآيات.
تأثر عمر بكلمات القرآن وقال: “ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! دلوني على محمد”. فلما سمع خباب بن الأرت كلام عمر خرج من مخدعه وقال: “أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ليلة الخميس، إني سمعته يقول: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب”.
الذهاب إلى دار الأرقم
خرج عمر متوجهاً إلى دار الأرقم ومعه سيفه. فلما وصل وقرع الباب، نظر الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم خائفين على رسول الله. فقال حمزة بن عبد المطلب: “ما لكم؟” قالوا: “عمر بن الخطاب”. فقال حمزة: “وعمر؟! إن يرد الله بعمر خيراً يسلم ويتبع النبي، وإن يرد غير ذلك يكن قتله أهون علينا من قتل غيره”.
نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمر قادماً فقام إليه وأخذ بمجمع ردائه ثم هزه بقوة وقال: “ما جاء بك يا ابن الخطاب؟ فوالله ما أراك تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة”. فقال عمر: “يا رسول الله، جئت لأومن بالله ورسوله وما جاء من عند الله”.
فكبّر النبي صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف جميع من في الدار أن عمر قد أسلم. وقال له النبي: “أسلم يا عمر، اللهم اهده”.
نتائج إسلام عمر
كان لإسلام عمر بن الخطاب أثر عظيم على المسلمين وعلى الدعوة الإسلامية، ومن أبرز هذه النتائج:
- إعلان المسلمين ظهورهم: بعد إسلام عمر، سأل النبي صلى الله عليه وسلم: “علام نختبئ؟” وخرج المسلمون إلى المسجد الحرام وطافوا بالكعبة لأول مرة جهرة. وكان عمر هو الذي قال للمشركين: “من أراد أن يثكل أمه وييتم ولده ويرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي”.
- قوة للمسلمين: كان عمر رجلاً لا يخاف في الله لومة لائم، فازدادت قوة المسلمين وعزتهم بإسلامه. وكان المشركون يهابونه ويخافون بطشه.
- الصلاة عند الكعبة: بعد إسلام عمر، استأذن النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي عند الكعبة، فأذن له. وكان أول من جهر بالصلاة عند الكعبة.
- الهجرة إلى المدينة: هاجر عمر إلى المدينة علناً أمام المشركين، متحدياً إياهم بأن يمنعوه.
الدعاء النبوي
لقد تحقق دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في عمر، فكان فتحاً للإسلام وقوة للمسلمين. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: “إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه”. وأيضاً قال: “لقد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر”.
الخاتمة
هكذا كان إسلام عمر بن الخطاب، بدأ بالغضب والعداء وانتهى بالإيمان والهداية. كان إسلامه نقطة تحول كبرى في تاريخ الدعوة الإسلامية. وقد أصبح بعد ذلك الفاروق الذي فرق الله به بين الحق والباطل، وأصبح ثاني الخلفاء الراشدين، وأحد أعظم الشخصيات في التاريخ الإسلامي.
رضي الله عنه وأرضاه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.