تعتبر غزوة بني المصطلق، والتي تُعرف أيضاً بغزوة المريسيع، إحدى الغزوات المهمة في السنة الخامسة للهجرة (أو السادسة على قول بعض المؤرخين) . لم تكن مجرد غزوة عسكرية فحسب، بل كانت مسرحاً لأحداث جسام كشفت عن نفوس المنافقين وحقدهم، واختُتمت بواحدة من أشد المحن التي مرت بها الدولة الإسلامية الفتية، ألا وهي حادثة الإفك، التي برأت فيها آيات بينات من سورة النور السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.
أولاً: أسباب الغزوة وتحرك الجيش
يعود السبب المباشر لهذه الغزوة إلى ورود أنباء إلى رسول الله ﷺ تفيد بأن بني المصطلق، وهم بطن من قبيلة خزاعة تقع ديارهم على طريق القوافل بين مكة والمدينة ، بدأوا يجمعون الجموع والعتاد لقتاله ﷺ. وكان على رأسهم سيدهم الحارث بن أبي ضرار . وقد سبق لهذه القبيلة أن شاركت مع قريش في غزوة أحد ضمن الأحابيش، مما جعل تحركاتهم مصدر قلق للدولة الإسلامية في المدينة .
للتأكد من صحة الأنباء، بعث رسول الله ﷺ بريدة بن الحصيب الأسلمي ليستطلع خبرهم. ذهب بريدة وأظهر لهم أنه جاء لعونهم، فتأكد من نيتهم العدائية وعاد ليخبر النبي ﷺ . عندها، ندب النبي ﷺ المسلمين للخروج، فخرج في جيش قيل إنه كان يضم سبعمائة مقاتل، مع ثلاثين فرساً . وكان من بين من خرج في هذه الغزوة عدد من المنافقين، يتقدمهم زعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول، تاركين المدينة لأول مرة بعد أن كانوا يتخلفون عن الغزوات السابقة، طمعاً في الغنائم .
ثانياً: مجريات الغزوة عند ماء المريسيع
تحرك الجيش الإسلامي حتى وصل إلى ماء لبني المصطلق يُدعى “المُرَيْسِيع” . تشير الروايات الصحيحة إلى أن النبي ﷺ أغار عليهم وهم غارُّون (أي غافلون)، وكانت أنعامهم تُسقى على الماء . لم يكن هناك قتال كبير أو مقاومة منظمة، بل باغتهم المسلمون فقتلوا من قتلوا من المقاتلين، وسبوا النساء والذراري، وغنموا الأموال . وقد كان من جملة السبايا جويرية بنت الحارث، ابنة زعيم القبيلة .
ثالثاً: زواج النبي ﷺ من جويرية بنت الحارث وبركته
وقعَت جويرية رضي الله عنها في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن عم له، فكاتَبته على نفسها . جاءت إلى رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها، فعرض عليها ﷺ أن يؤدي عنها كتابتها ويتزوجها، فوافقت .
كان لهذا الزواج المبارك أثر عظيم؛ فلما علم المسلمون أن بني المصطلق قد أصبحوا أصهار رسول الله ﷺ، أعتقوا جميع من كان بأيديهم من سباياهم إكراماً للنبي ﷺ . وهكذا أُطلق سراح مائة أهل بيت من القبيلة دفعة واحدة، مما كان سبباً في إسلام القبيلة بكاملها . يقول عطاء بن يسار: “لقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها” .
رابعاً: محاولات المنافقين لزعزعة الاستقرار
لم يكد الانتصار يتحقق حتى بدأ المنافقون بحراكهم التخريبي. فخلال العودة من الغزوة، وقعت حادثة بسيطة بين رجل من المهاجرين وآخر من الأنصار، فاستنجد كل منهما بقبيلته . سمع النبي ﷺ صيحات “يا للمهاجرين” و”يا للأنصار”، فاستنكر هذه الدعوى الجاهلية بشدة قائلاً: «ما بال دعوى جاهلية؟ دعوها فإنها منتنة» .
اغتنم عبد الله بن أبي بن سلول هذه الفرصة لبث سمومه، وقال لأصحابه: “أو قد فعلوها؟ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل” . يقصد بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله ﷺ والمسلمين. سمع ذلك الصحابي الجليل زيد بن أرقم رضي الله عنه فأخبر النبي ﷺ بما قاله ابن أبي. وعندما ووجه ابن أبي بذلك، حلف أنه لم يقل شيئاً، فصدقه النبي ﷺ ظاهراً، تالياً قول الله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ} [التوبة: 74] . وقد نزلت بعدها سورة المنافقين تفضح هذا الموقف .
خامساً: حادثة الإفك: البداية والأحداث
كانت هذه الغزوة هي الإطار الزمني الذي وقعت فيه حادثة الإفك، والتي ترويها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بأدق التفاصيل .
- القرعة ومرافقة عائشة ﷺ: كان النبي ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. وفي غزوة المريسيع، خرج السهم للسيدة عائشة رضي الله عنها .
- فقدان العقد: وفي طريق العودة إلى المدينة، وبعد أن نزل الجيش في إحدى المنازل قرب المدينة، خرجت عائشة رضي الله عنها لبعض شأنها. ولما عادت، افتقدت عقداً لها من جزع ظفار (خرز يماني) كان في عنقها، فرجعت تبحث عنه .
- رحيل الجيش بدونها: قام الرجال المكلفون بتحميل هودجها على الجمل وهم يظنون أنها لا تزال فيه، وذلك لخفة وزنها وصغر سنها. فسار الجيش وهي لا تزال تبحث عن عقدها .
- العثور على العقد والمبيت وحيد: بعد أن وجدت عقدها، عادت إلى المكان فلم تجد أحداً. فجلست في مكانها وظنت أنهم سيفتقدونها فيرجعون إليها، ثم غلبتها عيناها فنمت .
- لقاء صفوان بن المعطل: كان صفوان بن المعطل السلمي رضي الله عنه قد عسكر خلف الجيش ليتفقد ما سقط منهم. فلما مرّ بمكان عائشة ورآها نائمة، عرفها لأنها كانت تراه قبل نزول الحجاب. استرجع قائلاً: “إنا لله وإنا إليه راجعون” . أيقظته، فأناخ راحلته وركبتها، وقاد بها الجمل حتى أدركوا الجيش في نحر الظهيرة وهم نازلون .
- انطلاق الإشاعة: هنا وجد المنافقون ضالتهم. فتولى زعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول كبر الإفك، وأشاع أن صفوان بن المعطل قد خلا بزوجة النبي ﷺ . ولسوء الحظ، وجدت هذه الإشاعة آذاناً صاغية من بعض المسلمين الغافلين الذين خاضوا في الحديث دون تثبت، مما سبب محنة عظيمة للنبي ﷺ ولأهل بيته .
سادساً: البراءة من فوق سبع سموات
دامت محنة الإفك شهراً كاملاً، انقطع خلالها الوحي، وعانى النبي ﷺ وعائشة وأهلها وأبوها الصديق رضي الله عنهم أشد المعاناة . ثم نزل جبريل عليه السلام بالوحي من الله عز وجل بآيات بينات من سورة النور تبرئ السيدة عائشة وتنزهها مما رميت به . يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11] .
عندما نزلت هذه الآيات، بشر النبي ﷺ عائشة قائلاً: «أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك» .
دروس وعبر
تجمع غزوة بني المصطلق في أحداثها بين دروس النصر والرحمة والتحدي. فقد أظهرت كيف يمكن للنصر العسكري أن يتحول إلى نصر دعوي بزواج النبي ﷺ من جويرية، وكيف يمكن لدماثة الخلق أن تستأسر القلوب. وفي المقابل، كشفت عن عمق حقد المنافقين الذين لم يتورعوا عن الطعن في عرض النبي ﷺ وأهل بيته. وجاءت حادثة الإفك لتكون درساً خالداً للمسلمين في التثبت من الأخبار، وحفظ الأعراض، وخطورة الخوض في أعراض الناس بكلمة أو إشاعة، كما قال تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور: 12] . وتبقى السيدة عائشة رضي الله عنها مبرأة من فوق سبع سموات، ومن يرمها بعد ذلك فقد كفر بالله العظيم .