ملخص الفتوى
اتفقت كلمة الفقهاء على أن المسح على الخفين والجوربين رخصة ثابتة بالسنة النبوية والإجماع -2-6. إلا أن الحكم يختلف عند خلع الخف أو الجورب ثم إعادة لبسه. فقد ذهب جمهور العلماء (المالكية والشافعية والحنابلة) إلى أن إعادة لبس الخفين بعد خلعهما لا يصح إلا بوضوء كامل جديد تغسل فيه القدمان، لأن شرط المسح أن يكون اللبس على طهارة كاملة بالماء -1-3-5. أما إذا كان الخلع قبل الحدث، فتبقى الطهارة كما هي.
1. شروط المسح على الخفين والجوربين
لصحة المسح، لا بد من توفر الشروط التالية كما وردت في نصوص الفتاوى المعتمدة -2-4-8:
- لبسهما على طهارة كاملة: بأن يكون قد توضأ وضوءاً كاملاً (غسل القدمين) ثم لبس الخفين. وهذا الشرط مستند إلى حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عندما أراد أن ينزع خفي النبي ﷺ فقال له: “دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين” -2-6.
- ستر محل الفرض: أن يكون الخف أو الجورب ساتراً لمحل الغسل وهو القدمان حتى الكعبين، وأن يكون صفيقاً (لا يصف ما تحته) -2-8.
- الطهارة: أن يكون الخفان طاهرين غير نجسين -4.
- الحدث الأصغر: أن يكون المسح في حال الحدث الأصغر، أما في الجنابة فلا يجوز المسح ويجب الغسل -4-6.
- المدة المحددة: يمسح المقيم يوماً وليلة (24 ساعة)، والمسافر ثلاثة أيام بلياليها (72 ساعة)، تبدأ المدة من أول مرة يمسح فيها بعد الحدث وليس من وقت اللبس -2-4.
2. تفصيل الحكم عند خلع الخفين أو الجوربين وإعادة لبسهما
تنقسم الحالات التي يتعرض لها المسلم في حياته اليومية إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
أ. إذا خلع الخفين قبل أن يحدث (أي قبل انتقاض الوضوء)
في هذه الحالة، تبقى الطهارة صحيحة ولا تبطل بمجرد الخلع. فلو توضأ الرجل لصلاة الفجر ولبس خفيه، ثم خلعهما بعد الصلاة وهو لا يزال على طهارته، فطهارته باقية ويستطيع الصلاة بها دون مسح أو غسل للقدمين -7-10. وإذا أعاد لبسهما قبل أن يحدث، جاز له المسح عليهما فيما بعد، وتحسب المدة من أول مسح بعد الحدث الجديد -10.
ب. إذا خلع الخفين بعد أن مسح عليهما (أي بعد أن أحدث ومسح)
هذه هي أشهر المسائل وأكثرها وقوعاً. مثاله: توضأ ولبس خفيه، ثم أحدث، ثم توضأ ومسح عليهما لصلاة الظهر، ثم خلعهما بعد الصلاة. ثم أعاد لبسهما لصلاة العصر دون أن يتوضأ.
في هذه المسألة، لا يصح المسح على الخفين بعد إعادة لبسهما، وذلك للأسباب التالية:
- فقدان شرط الطهارة الكاملة: شرط المسح هو أن يلبس الخفين والقدمان طاهرتان بطهارة مائية (غسل)، أما هنا فقد لبسهما بعد أن كان قد مسح عليهما، أي أن الطهارة السابقة كانت طهارة مسح لا طهارة غسل -1-5.
- بطلان المسح: خلع الخف بعد المسح يبطل حكم المسح، لكنه لا يبطل الوضوء ذاته. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: “الذي يبطل المسح على الخف: انتهاء المدة، وكذلك أيضاً خلع الخف… لكن الطهارة باقية… لكن لا يصح إعادة لبس الخف بعد نزعه واستئناف المسح عليه إلا بعد وضوء كامل” -1.
الراجح في المذهب: أن من خلع خفيه بعد أن مسح عليهما، ثم أعاد لبسهما، فعليه الوضوء كاملاً (غسل القدمين) ليصح له المسح من جديد. فإن مسح عليهما دون أن يغسل قدميه (أي اعتمد على طهارته السابقة) لم يصح مسحه -3-5.
ج. استثناء: تبديل الجوارب بجوارب جديدة
نفس الحكم السابق ينطبق على من خلع جورباً مسح عليه ولبس جورباً جديداً. لا يجوز المسح على الجورب الجديد إلا بوضوء كامل تغسل فيه القدمان، لأن لبس الجديد لم يكن على طهارة غسل. قال الشيخ ابن عثيمين في حادثة مشابهة: “الإنسان إذا خلع الشراب بعد أن مسح عليها، فإنه لا يمكن أن يعيدها إلا بعد وضوء” -5.
3. أقوال العلماء في بقاء الطهارة بعد الخلع (خلاف فقهي)
من المهم التفريق بين الطهارة (صحة الوضوء) وجواز المسح (الرخصة):
- الطهارة (الوضوء): جمهور المحققين (ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن عثيمين) على أن خلع الخف لا ينقض الوضوء. فلو مسح على خفيه ثم خلعهما، بقي وضوؤه صحيحاً، وله أن يصلي ويقرأ القرآن، لأن الخلع ليس حدثاً -1-7.
- جواز المسح: إذا خلع الخفين، فقد بطلت رخصة المسح الخاصة بهذين الخفين. فلا يجوز إعادة لبسهما والمسح عليهما إلا بعد غسل القدمين من جديد -1-3.
4. حالات عملية وتطبيقات يومية
لتوضيح الفتوى، نعرض السيناريوهات التالية:
| السيناريو | الحكم الشرعي | التفصيل والسبب |
|---|---|---|
| توضأ ولبس الجوربين، ثم خلعهما قبل الظهر (لم يحدث) | تصح الصلاة (بالوضوء القديم) -7-10 | الطهارة باقية لأن الخلع ليس ناقضاً. |
| توضأ ولبس الجوربين، ثم أحدث، ثم مسح عليهما للظهر، ثم خلعهما بعد الصلاة، ثم أراد لبسهما للعصر | لا يصح المسح -1-5 | يجب عليه غسل رجليه (أو الوضوء كاملاً) ثم لبسهما لمسح جديد. |
| توضأ ولبس الجوربين، ثم أحدث، ثم مسح عليهما، ثم خلع جورباً واحداً فقط | يبطل المسح -9 | المسح يبطل بنزع أحد الجوربين إلى ما تحت الكعبين. |
| توضأ ولبس جوربين، ثم بدل الجوربين بآخرين جديدين وهو على طهارته (لم يحدث) | لا يمسح على الجديد حتى يتوضأ -5 | لبس الجديد لم يكن على طهارة غسل (غسل القدمين). |
| توضأ ولبس جوربين، ثم أحدث ثم توضأ ومسح، وانتهت المدة (24 ساعة) وهو لا يزال على وضوئه | يبطل المسح، لكن الطهارة باقية -4 | ينزع الجوربين ويغسل رجليه للصلاة القادمة، ولا يعيد الوضوء كله. |
5. الخلاصة والتوصية
الخلاصة:
- إذا خلعت الخف أو الجورب بعد المسح عليه (أي بعد أن أحدثت ومسحت)، ثم أردت لبسه مرة أخرى: لا يجوز المسح عليه حتى تتوضأ وضوءاً كاملاً تغسل فيه قدميك.
- إذا خلعت الخف قبل أن تحدث (أي وأنت على طهارتك الأولى)، فلك أن تلبسه مرة أخرى وتمسح عليه عند الحدث، بشرط أن تكون مازلت على تلك الطهارة -10.
- الطهارة لا تبطل بخلع الخف، بل تبقى حتى يحدث ناقض من نواقض الوضوء -1-7.
التوصية:
للتيسير على المسلم وتجنباً للخلاف الفقهي، إذا تعرضت لمثل هذه الحالة (خلع الجورب بعد المسح عليه)، فالأولى والأحوط أن تعيد الوضوء كاملاً.
والله أعلم.