تمهيد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي عمود الدين الذي لا يقوم إلا به، وقد تواترت النصوص من الكتاب والسنة على عظم شأنها وخطورة أمرها. وقد اختلفت أحوال تاركي الصلاة بين من يتركها جحودًا وإنكارًا، ومن يتركها تهاونًا وكسلًا مع اعتقاد فرضيتها. وفي هذه الفتوى بيان حكم كل حالة على حدة.
— أولًا: حكم تارك الصلاة جحودًا وإنكارًا
الحكم: من ترك الصلاة جاحدًا لوجوبها، منكرًا لفرضيتها، فهو كافر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة بإجماع المسلمين. التفصيل والدليل:
1. الإجماع: نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “أما تارك الصلاة، فهذا إن لم يكن معتقدًا لوجوبها، فهو كافر بالنص والإجماع” . فالرجل المكلف الذي يرى أن الصلاة غير واجبة عليه، أو يشك في فرضيتها، يكون مكذبًا لله ورسوله ولإجماع المسلمين.
2. العلة: لأن وجوب الصلاة من المعلوم من الدين بالضرورة، أي أن كل مسلم يعلم أن الله فرض على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة. فمن أنكر ذلك فقد كذّب القرآن والسنة وإجماع الأمة.
3. حكمه: يعتبر هذا الشخص مرتدًا عن الإسلام ، ولا تنفعه أي عبادة يؤديها مع إنكاره وجوب الصلاة، ويُعامل معاملة المرتدين، فيُستتاب فإن تاب وإلا قُتل على الردة.
— ثانيًا: حكم تارك الصلاة تهاونًا وكسلًا (مع اعتقاد فرضيتها)
الحكم: هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم على قولين رئيسيين، والراجح والأقوى دليلاً هو القول بتكفيره كفرًا أكبر مخرجًا من الملة. عرض الأقوال: القول الأول: (الراجح) أنه يكفر كفرًا أكبر وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وبه قال جمهور السلف، وهو قول الشافعي في أحد قوليه، ورجحه كثير من المحققين كابن تيمية وابن القيم، وهو فتوى اللجنة الدائمة والشيخ ابن باز وابن عثيمين رحمهم الله.
الأدلة:
1. من القرآن الكريم: قوله تعالى: “فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ” [التوبة: 11]. فقد علق الله حصول “أخوة الدين” على إقامة الصلاة، فنفيها يستلزم نفي هذه الأخوة التي هي حقيقة الإسلام.
2. من السنة النبوية: · قوله ﷺ: “الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ” (رواه أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح) . · قوله ﷺ: “بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ” (رواه مسلم). فجعل ترك الصلاة حاجزًا بين الرجل وبين الكفر، فإذا تركها دخل في حيز الكفر.
3. من أقوال الصحابة: قال عبد الله بن شقيق التابعي: “كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة” . القول الثاني: لا يكفر، بل هو فاسق عاصٍ وهو قول أبي حنيفة ومالك، وهو قول للشافعي، ورجحته دار الإفتاء الأردنية وغيرها .
الأدلة:
1. أن الأحاديث الواردة في التكفير يُحمل على من تركها جحودًا.
2. أن تارك الصلاة كسلًا قد يأتي بالشهادتين، فيبقى اسم الإيمان عليه. الرد على هذا القول: أن حمل الأحاديث على الجحود فيه إلغاء لوصف “الترك” الذي علق به النبي ﷺ الحكم، وجعله على “الجحود” وهو وصف آخر، وهذا خلاف ظاهر النص.
الترجيح: القول الراجح هو تكفير من ترك الصلاة تركًا كليًا بالكلية تهاونًا وكسلًا، للأدلة الصريحة الصحيحة، ولأن الصلاة تختلف عن سائر الفرائض؛ فهي عمود الإسلام، والتهاون بها يقدح في أصل الإيمان.
تنبيه: هذا الحكم يشمل من لا يصلي أبدًا. أما من يصلي أحيانًا ويترك أحيانًا (مثل من يحافظ على الجمعة فقط أو يصلي أسبوعًا ويترك أسبوعًا) فالظاهر أنه لا يكفر بهذا الإطلاق، ولكنه على خطر عظيم، ويعتبر مسلمًا عاصيًا يجب عليه التوبة والمحافظة على الصلوات كلها .
الخلاصة في جدول:
الآثار المترتبة على القول الراجح:
· لا يُغسّل ولا يُكفّن ولا يُصلّى عليه إذا مات.
· لا يُدفن في مقابر المسلمين.
· زواجه غير صحيح إذا كان زواجه بعد تركه للصلاة.
نسأل الله أن يوفقنا جميعًا لإقام الصفة والمحافظة عليها، إنه سميع مجيب. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.