تعتبر حادثة انشقاق القمر من أعظم المعجزات التي أيد الله بها نبيه محمداً ﷺ، وهي آية كونية باهرة شهدها المشركون في مكة قبل الهجرة النبوية، وذكرها الله في كتابه العزيز، وتواترت بها الأحاديث النبوية الصحيحة .
أولاً: التعريف بالحادثة ومكانتها
انشقاق القمر هو معجزة حسية حدثت في مكة المكرمة قبل هجرة النبي ﷺ بخمس سنوات تقريباً . وتتمثل في انفلاق القمر إلى نصفين أو فلقتين منفصلتين، استجابة لدعوة النبي ﷺ عندما طلب منه كفار قريش آية تدل على صدق نبوته .
هذه المعجزة لها مكانة خاصة لأن الله تعالى خلدها في القرآن الكريم، فتلاها المسلمون جيلاً بعد جيل، وجعلها دليلاً على قدرة الله وصدق رسوله، وعلامة من علامات اقتراب الساعة .
ثانياً: سبب وقوع الحادثة
يروي أنس بن مالك رضي الله عنه أن “أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر مرتين” . وكان هذا التحدي من المشركين الذين قالوا للنبي ﷺ: “إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فرقتين”، ووعدوه بالإيمان إن فعل .
وقف النبي ﷺ يدعو ربه أن ينصره في هذا الموقف، فألهمه الله أن يشير بإصبعه الشريف إلى القمر .
ثالثاً: وصف الحادثة كما رآها الصحابة
وصف عدد من الصحابة الكرام هذه الحادثة بتفاصيل دقيقة تدل على مشاهدتهم لها بأعينهم:
رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
هي من أشهر الروايات وأكثرها تفصيلاً. يقول ابن مسعود: “انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقتين، حتى نظروا إليه، فقال رسول الله ﷺ: اشهدوا” . وفي رواية أخرى: “بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمنى إذا انفلق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله ﷺ: اشهدوا” .
رواية أنس بن مالك رضي الله عنه:
يقول أنس: “إن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما” . وهذا المشهد عظيم، فجبل حراء كان واقعاً بين نصفي القمر المنشقين.
رواية جبير بن مطعم رضي الله عنه:
قال: “انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين: فرقة على هذا الجبل وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد” .
رواية ابن عباس رضي الله عنهما:
قال: “انشق القمر في زمن النبي ﷺ” ، وأكد أن ذلك كان قبل الهجرة .
رواية حذيفة بن اليمان رضي الله عنه:
خطب الناس في المدائن وقال: “ألا إن الساعة قد اقتربت، وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم” .
رابعاً: موقف المشركين من المعجزة
عندما رأى المشركون هذه الآية الباهرة، أوشكوا على الإيمان وقالوا: “آية سماوية لا يُعمل فيها السحر” . ولكن أبا جهل تدخل وقال: “اصبروا حتى تأتينا أهل البوادي (أي يؤكد لنا هذا الخبر أهل البادية)، فإن أخبروا بانشقاقه فهو صحيح، وإلا فقد سحر محمد أعيننا” .
قدِم بعض أهل البادية إلى مكة لاحقاً فأخبروا الناس برؤيتهم لانشقاق القمر، فأعرض أبو جهل عنهم وأنكر عليهم ووصف المعجزة بأنها “سحر مستمر”، فأنزل الله الآية الثانية من سورة القمر: {وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر:2] .
خامساً: الأدلة على وقوع الحادثة
1. الدليل من القرآن الكريم:
يقول الله تعالى في مطلع سورة القمر: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر:1]. وهذه السورة مكية بالإجماع ، واستخدام الفعل الماضي (انشق) يدل على وقوع الحادثة بالفعل في زمن النبي ﷺ . وقد قال جمهور المفسرين كالطبري والقرطبي وابن كثير أن الآية تشير إلى انشقاق القمر الذي وقع في زمن النبوة .
2. الدليل من السنة النبوية:
روى هذه الحادثة عدد كبير من الصحابة الكرام، منهم :
- عبد الله بن مسعود
- عبد الله بن عباس
- أنس بن مالك
- عبد الله بن عمر
- حذيفة بن اليمان
- علي بن أبي طالب
- جبير بن مطعم
وقد أخرج هذه الأحاديث أئمة الحديث في كتبهم الصحيحة، وفي مقدمتهم الإمام البخاري والإمام مسلم .
يقول الإمام القرطبي رحمه الله: “روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة… ثم كذلك ينقله الجم الغفير والعدد الكثير إلى أن انتهى ذلك إلينا، وفاضت أنواره علينا، وانضاف إلى ذلك ما جاء من ذلك في القرآن المتواتر عند كل إنسان. فقد حصل بهذه المعجزة العلم اليقين الذي لا يشك فيه أحد من العاقلين” .
3. إجماع الأمة:
أجمع علماء الأمة الإسلامية على وقوع هذه المعجزة، قال الحافظ ابن حجر: “أجمع المفسرون وأهل السير على وقوعه” . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “انشقاق القمر قد عاينوه وشاهدوه وتواترت به الأخبار، وكان النبي ﷺ يقرأ هذه السورة في المجامع الكبار مثل الجمع والأعياد؛ ليسمع الناس ما فيها من آيات النبوة ودلائلها والاعتبار، وكل الناس يقر ذلك ولا ينكره، فعلم أن انشقاق القمر كان معلوماً عند الناس عامة” .
سادساً: الرد على الشبهات
الشبهة: لماذا لم يشاهده كل سكان الأرض؟
هذا السؤال أجاب عنه العلماء القدامى والمحدثون بعدة إجابات منطقية :
- اختلاف مطالع القمر: لا يرى القمر في وقت واحد من جميع بقاع الأرض، فبداية الليل في مكة تقابلها أوقات مختلفة في بقية العالم .
- وقت الحادثة: كانت ليلاً، والناس في الغالب نيام في بيوتهم، خاصة في المناطق الباردة .
- قصر مدة الانشقاق: استمر الانشقاق لحظات قصيرة ثم التأم، وليس ساعات طويلة، يقول الخطابي: “إنما كان ذلك في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر” .
- وجود الحجب: قد يحول بين الرائي والقمر سحاب أو ضباب أو جبال .
- خصوصية المعجزة: الله تعالى يختص بمعجزاته من يشاء، كما اختص بني إسرائيل برؤية معجزات موسى وعيسى عليهما السلام، ولم يشاهدها كل أهل الأرض .
الشبهة: لماذا لم تسجلها حضارات أخرى؟
لا يصح الجزم بأن الحضارات الأخرى لم تسجلها، فقد وردت إشارات في بعض المصادر التاريخية :
- ذكر في التاريخ الهندي أن ملكاً هندياً يدعى “جاكرواني فرماس” شاهد انشقاق القمر في مالابار، وسأل عن سببها فعلم بمبعث النبي ﷺ فخرج إليه وأسلم على يديه .
- ذكر ابن تيمية أن بعض المسافرين وجد في بلاد الهند بناءً قديماً مكتوباً عليه: “بني ليلة انشق القمر” .
سابعاً: الإعجاز العلمي في الحادثة
في العصر الحديث، التقطت وكالة ناسا صوراً للقمر تظهر فيها أخاديد وشقوق طولية تمتد لمئات الكيلومترات على سطح القمر . وقد حيرت هذه الشقوق العلماء، ولم يتمكنوا حتى الآن من تقديم تفسير قاطع لنشأتها .
موقع ناسا الرسمي نشر صورة لأحد هذه الشقوع مع تعليق: “ما الذي يمكن أن يحدث شقاً بهذا الطول في القمر؟” . وهذا التساؤل يعكس حيرة العلماء حول هذه الظاهرة.
يقول الدكتور زغلول النجار: المعجزة أمر خارق للعادة لا تستطيع السنن الكونية تفسيره، ولكن العلم الحديث يثبت وجود شقوق على سطح القمر، وهذا يتوافق مع ما أخبر به القرآن قبل أربعة عشر قرناً .
ثامناً: دروس وعبر من الحادثة
- صدق النبوة: الحادثة دليل مادي على صدق رسول الله ﷺ.
- قسوة القلوب: رغم مشاهدة الآية الباهرة، أعرض المشركون وكذبوا.
- حفظ القرآن: الله حفظ هذه المعجزة في كتابه يتلوها المسلمون جيلاً بعد جيل.
- قدرة الله: لا شيء يعجز الله في الأرض ولا في السماء.
خلاصة
حادثة انشقاق القمر معجزة إلهية ثابتة بالقرآن والسنة وإجماع الأمة، شهدها جمع غفير من الصحابة ونقلوها نقلاً متواتراً يفيد اليقين. وقد تصدى علماء الإسلام للشبهات المثارة حولها، وأثبتوا وقوعها بالأدلة العقلية والنقلية، وبقيت هذه المعجزة آية خالدة تتلى في محاريب المسلمين إلى يوم القيامة.