أويس القرني: راهب الأمة وقدوة الزاهدين
هو التابعي الجليل أبو عمرو، أويس بن عامر بن جزء بن مالك القرني المرادي اليماني . يعد أويس القرني واحدًا من أبرز وأعظم التابعين، وقد نال مكانة رفيعة لم يسبقه إليها كثيرون، فقد أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يره في حياته، وأوصى به أصحابه. وقد اشتهر بلقب “راهب هذه الأمة” لما كان عليه من زهد مطلق وتفرغ تام للعبادة، حتى قال عنه الإمام الحاكم في المستدرك: “أويس راهب هذه الأمة” .
نشأته وحياته:
ولد أويس القرني في اليمن، في منطقة قرن من بلاد ردمان، حوالي سنة 594 ميلادية . أدرك زمن النبوة وآمن برسالة الإسلام، لكن حال بينه وبين لقاء النبي صلى الله عليه وسلم بره الشديد بأمه، حيث آثر رعايتها والبقاء معها على السفر إلى المدينة المنورة . وهذه الحادثة وحدها تكشف عن عمق إيمانه وتقديره لبر الوالدين، وهي من أسمى القيم في الإسلام.بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، انتقل أويس إلى الكوفة التي أصبحت مركزًا علميًا كبيرًا . وهناك تتلمذ على يد عدد من كبار الصحابة، وتعلم منهم علوم القرآن والحديث والفقه، حتى غدا إمامًا في الدين، وعلمًا من أعلام التابعين في الزهد والورع .
مناقبه وثناء النبي عليه:
تتجلى عظمة أويس القرني في الأحاديث النبوية التي نوهت به ورفعت من شأنه. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عنه وأثنى عليه قبل أن يروه. وأشهر هذه الأحاديث ما رواه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة، وكان به بياض (أي برص)، فمروه فليستغفر لكم” . وفي رواية أخرى، وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره” . وهذا أعلى مقام يمكن أن يصل إليه مؤمن، أن يكون ممن إذا دعا الله بشيء على وجه اليقين والصدق، استجاب الله له.
قصة لقائه بعمر بن الخطاب:
بعد توليه الخلافة، ظل سيدنا عمر بن الفاروق رضي الله عنه يتحرى أويس القرني في وفود اليمن التي كانت تأتي إلى المدينة، تنفيذًا لوصية النبي صلى الله عليه وسلم. وفي أحد الأعوام، قدمت أمداد (إمدادات) أهل اليمن، وكان بينهم أويس. فلما رآه عمر وتأكد من علاماته التي وصفها النبي (أثر البرص في جسده، وبره بأمه)، قال له: “استغفر لي”، فاستغفر له أويس .وعرض عمر عليه أن يكتب له توصية إلى والي الكوفة، لكن أويس اعتذر قائلاً: “أكون في غبراء الناس (أي عامتهم) أحب إلي” . هذا الموقف يعكس زهدًا عظيمًا وتواضعًا جمًا، حيث رفض أي منصب أو مكانة اجتماعية، مفضلاً البقاء في الخفاء والتعبد لله بعيدًا عن الأضواء. وقد عرض عليه سيدنا عمر أيضًا نفقة وكسوة، فرفض متعففًا، مفضلاً حياته البسيطة التي لا تعلق له فيها بشيء من الدنيا.
زهده وورعه وعبادته:
بلغ أويس القرني منزلة عالية في الزهد والعبادة، حتى إنه كان لا يشغله شيء عن طاعة الله. فمن مظاهر زهده:· التواضع والتخفي: كان يحرص على ألا يعرفه الناس، وعندما عُرف بسبب لقاء عمر به، اختفى وانتقل من مكان إلى آخر هربًا من الشهرة .· التعفف: كان شديد التعفف عما في أيدي الناس، لا يسأل أحدًا شيئًا. ويذكر عنه أنه كان يبيت الليالي المتتابعة وهو عريان، لأنه كان يتصدق بثيابه على المحتاجين .· العبادة: كانت له في العبادة أحوال عجيبة. فقد كان يقسم ليالي الأسبوع بين العبادات؛ فيجعل ليلة للركوع يركع فيها حتى الصباح، وليلة للسجود لا يرفع رأسه منها حتى الفجر . وكان كثير البكاء من خشية الله.· الذكر والدعاء: كان كثير الدعاء والتضرع إلى الله. ومن أشهر أدعيته: “اللهم إني أعتذر إليك من كل كبد جائعة، وجسد عار، وليس لي إلا ما على ظهري وفي بطني”.
استشهاده:
لم يقتصر جهاد أويس القرني على العبادة والصبر، بل امتد ليشمل الجهاد في سبيل الله. فقد خرج مع الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في موقعة صفين سنة 37 هـ، وكان على الرَّجَالة (المشاة) . قاتل قتال الأبطال حتى استشهد في أرض المعركة. وبعد استشهاده، نظروا إلى جسده الطاهر فإذا به يحمل أكثر من أربعين جرحًا ما بين طعنة وضربة ورمية .دُفن أويس القرني في منطقة الرقة بالجزيرة الفراتية، ولا يزال قبره معروفًا هناك . وقد ظل أيقونة في الزهد والإخلاص والبر، يضرب به المثل في علو الهمة والصدق مع الله، حتى قيل فيه إنه الشافع الذي وعد النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً من أمته سيشفع لأكثر من بني تميم، وقال الحسن البصري إن هذا الرجل هو أويس القرني.